Skip Navigation Links
عن البلقا
إتصل بنا
 الأرشيف     الخميس , 24 نيسان 2014
 
كتّب للبلقا
الاربعاء , 17 آب , 2011 :: 4:04 م

بحث قصير عن الشاعر جرير

لقد ساقني ميولي للشعر والشعراء الى ان اخوض في موضوع مهم, فلم اجد مايشبع قريحتي في الكتابة عن الشعر والشعراء عند العرب الاّ ان اتناول فحلاً من فحول الشعراء، فهم في بطون الشعر ثلاث، جرير والفرزدق والأخطل، وهم من أشهر الشعراء العرب في عصرهم. وسوف اتناول واحدا منهم في مقالتي هذه ، وحتى اكون عادلا في النقل والبحث عن هذا الشاعر وبالرغم من صعوبة ذلك سأحاول أن اوفيه حقه ولعلني اوفق في ان اكتب عن هذا الفحل من الشعراء (جرير). هو جرير بن عطيه بن حذيفه الخطفي التميمي وكنيته (ابو حزره)، نشأ في بادية اليمامه ومات فيها ودفن ، وكان من اسره عاديه متواضعه يرعى ابل قومه فنشأ فصيح اللسان مطبوع القريحه على الشعر، تعلم الشعر مبكرا على لسان جده حذيفة بن بدر ، وقد نشأ في العصر الأموي.

عاش عمره يناضل شعراء زمانه ويساجلهم، فظهر عليهم جميعا حيث وقف امام ثمانين شاعرا فحقق عليهم النصر الكبير ، ولم يثبت امامه سوى الأخطل والفرزدق، فقد نازعوه الغلبه وكان يوصف بصفاء الطبع ورقة الشعور. كان ابيا محافظا على كرامته ، لا ينام على ضيم ،هجاءً من الطراز الأول يتتبع في هجائه مساوىء خصمه ، واذا لم يجد شيئا يشفي غليله اخترع قصصا شائنه والصقها بخصمه ثم عيره بها. ظهر ذلك كله في شعره وامتاز بطلاوة الأسلوب وحلاوة الغزل ومرارة الهجاء، وحسن التصرف في جميع فنون الشعر في زمانه.

عاش جرير حوالي ثمانين سنه ، اتصل بالخلفاء اللأمويين ومدحهم ونال جوائزهم، وكان اكثر مدائحه في خلفاء بني اميه وابنائهم وولاتهم، وكان يفد عليهم في كل عام لينال جوائزهم وعطاياهم فلم يترفع عن مدح اي شخص افاض عليه المال والعطايا. مدح الحجاج وبالغ في وصفه بصفات الشرف وعلو المنزله والسطوه وقوة البطش. مدح عبد الملك بن مروان حيث قال:
                  ألستم خير من ركب المطايا      واندى العالمين بطون راح

حيث قيل ان هذا البيت هو امدح ماقاله الشعراء العرب، كان يلح عليهم الحاحا شديدا في وصفهم بالجود والسخاء ليحرك قريحة الكرم والجود عندهم.وقد يسرف في الأستجداء وذلك بسبب مايعانيه من الفاقه. كان يكثر في مدحهم الألفاظ الاسلاميه والاقتباسات القرانيه ، وقد نجح فيما يصبوا اليه حيث حصل منهم على المال الوفير والعطايا السخيه. كان جرير لا يسكت على ضيم وشجاعا في القول ، ويحرق خصمه او من يحاول النيل منه.

 
ومن قوله يمدح الخليفة عمر بن عبد العزيز:
إنَّا لنرجو إذا ما الغيث اخلفنا  من الخليفة ما نرجوا من المطر
نال الخلافة إذا كانت له قدراً  كما أتى ربه موسى على قـدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها  فمن لحاجة هذا الأرمل الذكـر
الخير ما دمت حيـاً لا يفارقنـا  بوركت يا عمر الخيرات من عمر

فقال له: يا جرير لا أملك الا ثلاثين ديناراً، عشرة أخَذَها عبد الله إبني، وعشرة أخَذَتْهَا أم عبد الله، ثم قال لخادمه ادفع له العشرة الثالثة. فقال جرير: والله يا أمير المؤمنين أنها لأحب مال اكتسبته فخرج وقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير فقال جرير: ورائي ما يسؤكم خرجت من عند أمير يمنع الشعراء ويعطي الفقراء واني عنه لراض وأنشد يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه  وقد كان الشيطان من الجن راقيا

وقال يمدح الحجاج:
هَاجَ الهَوَى لِفُؤَادِكَ المُهْتَـاجِ   فَانْظُرْ يَتَوَضحَ باكِـرُ الأَحـداجِ 
وَلَقَدْ رَمَيْنَكَ حِيْنَ رُحْنَ بِأَعْيُنٍ   يَنْظُرْنَ مِنْ خَلَلِ السّتُورِ سَوَاجي    
                        قُلْ لِلجَبَانِ إِذَا تَأَخَّـرّ سّرْجُـهُ:   هَلْ أَنْتَ مِنْ شِرْكِ المَنِيَّـةِ ناجي
   من سدَّ مطلعَ النفـاقِِ عليهمِ   أم مَن يَصُولُ كصَولَـةِ الحَجّاجِ     أم مَن يَغارُ على النّساءِ حَفيظَةٌ   إذ لا يثـقـنَ بغـيـرةِ الأزواجِ    إنَّ ابنَ يوسفَ فاعلموا وتيقنوا   ماضي البصيرةِ واضحُ المنهـاج    منعَ الرُّشَا وأراكُـمُ سبُلَ الهُدى   وَاللـّـصَّ نَكّـلَـه عَـنِ الإدُلاجِ    إنّ العَدُوّ إذا رَمُـوكَ رَمَيتَهُـم   بذُرَى عَمَايَة أو بهَضـبِ سُـواجِ    إنّي لمُرتقـَبٌ لِمَـا خَوّفتَنـي  وَلفَضل سَيبكَ يا ابنَ يوسُفَ رَاجي    وَلَقـَد كسرتَ سنانَ كـلّ مُنافِقٍ   ولقـد منعـتَ حقائـبَ الحجَّـاجِ 
                                                            
قيل ان جرير طلب من عبيد الله الراعي وهو شاعر من الشعراء ان لا يتدخل بينه وبين الفرزدق لكن عبيد الراعي لم يصدق معه وتدخل وقال في جمعه من الناس، ان الفرزدق اشعر من جرير وهو افضل منه. وحدث ان رأه ثانية فعاتبه واعتذر اليه عبيد الراعي، وبينما هم مع بعض جاء ابن الراعي وسب وشتم جرير وأكثر في الشتم ، وأساء اليه اساءة قويه وهو لا يعلم ان اباه قد اعتذر لجرير حيث كان الولد متسرعا ، وكان من الطبيعي ان يسؤ ذلك جرير ويؤلمه ، حيث اهين اهانه بالغه من ولد الراعي. فذهب الى بيته ولكنه لم يستطع النوم في تلك الليله ، وظل قلقا ساهرا حيث نظم قصيده القاها جرير على مسامع الفرزدق وعامة الناس، فكانت القصيده شؤما على بني (نمير) حتى صاروا اذا سئلوا عن نسبهم لا يذكورون نسبهم إلى (نمير) بل الى جدهم (عامر). هذا وقد سمى جرير قصيدته هذه (الدافعه) حيث انها افحمت خصمه واشفت غليله بعد ماسمع من المسبه والشتم والأهانه من ولد الراعي ، نذكر منها هذه الأبيات :
                      
فما هبت الفرزدق قد علمتم   وما حق أبن بروع ان يهابـا
اعـد الله للشعـراء مني         صواعق يخضعون لها الرقابا
انا البازي المطل على نمير  اتيح من السماء لها انصبابـا
فلا صلّى الإلـه على نميـر   ولا سقيت قبورهم ا لسحابـا
ولو وزنت حلوم بني نمير  على الميزان ما وزنت ذبابـا
فغض الطرف انك من نمير  فـلا كعبـا بلغـت ولا كلابا 
اذا غضبت عليك بنو تميم   حسبت الناس كلهم غضابـا  


فهنا يفاخر جرير بمجده ومجد قومه فخرا جاهليا يعتز في بطولة قومه ويذكر بأيامهم القديمه  وما ورثوا من مجد ، لكن ذلك كان تهديدا لكل الشعراء الذين ينافسونه في العلو، وكان يقول لهم أن أي شاعر تعرض له لسوف يلقى منه نارا تلفح وجهه ،وسوف يكون عليه اقسى من ذلك. كل هذا جاء في معاني قصيدة (الدافعة). هذا وكان لجرير مقدره عجيبه على ا لهجاء فزاد في هجائه عن غيره طريقة اللذع والآلام فيتتبع حياة قبيلتهم، ويعدد نقائضهم محقراً، إلا انه لم يستطع ان يجعل الفخر بآبائه موازياً لفخر الفرزدق.

هجا الفرزدق جريراً فرد عليه جرير وقال:
اعددت للشعـراء سمـا ناقعـا  فسقيـت آخرهـم بكـأس الأول
لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضفا البعيث جدعت انف الأخطل         
اني انصببت من السماء عليكـم  حتى اختطفتك يافرزدق من عَلِ
احلا منا تـزن الجبـال رزانـة  ويفـوق جاهلنا فضـال الجهـل
فارجـع الى حكمي قريش أنهـم اهل النبـوة والكتـاب المنـزل  

ورثى جرير الفرزدق حيث قال:
لعمري لقد اشجى تميمـا وهدهـا عماد تميم كلهـا ولسانهـا
على نكبات الدهـر مـوت الفرزدق  وناطقها البداح في كل منطق
لقد غادروا في اللحد من كان ينتمي  الى كل نجم في السماء محلق

برع جرير في الغزل وغناه المغنون حيث قال:
ان العيون التي في طرفها حور  قتلننا ثم لم يشفيـن قتـلانا
        يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به  وهن اضعف خلق الله انسانا                                   

وقـال مفاخـرا: اذا غضبـت عليك بنـو تميـم  حسبت الناس كلهم غضـابا

    وقال في الهجاء: فغض الطـرف انك مـن نميـر  فـلا كعباً بلغـت ولا كلابـا
 
    وقوله في التهكم: زعم الفرزدق ان سيقتل مربعا   أبشر بطول سلامة يـامربـع

ورثى زوجته قائلا: لولا الحياء لهاجني استعبار   ولزرت قبـرك والحبيب يـزار
   ولقد أراك كسبت أجمل منظر   ومع الجمـال سكينـة ووقـار
   ولهتي قلبي إذا علتني كبرة  وذو التمائم من بنيـك صغـار
   صلى الملائكة الذين تخيروا  والصالحـون عليـك والأبـرار
   وعليك من صلوات ربك كلما  نصب الحجيج مبلدين وغـاروا

وحصل ان نقد الحجاج الفرزدق وجرير ، حيث ان الحجاج قال لجرير والفرزدق وكان بين يديه "بدره"من مال فقال الحجاج: ايكم مدحني ببيت افضل فهذه البدرة له.
فقال الفرزدق:   فمن يأمن الحجاج والطير تتقي  عقوبته الا ضعيف العزائم
وقال جرير:   فمن يأمن الحجاج اما عقابـه   فمـر وامـا عهده فوثيق
فقال الحجاج: والطير تتقي عقوبته كلام لاخيرفيه لأن الطير تتقي كل شيء خذها ياجرير .
يقول الأخطل في جرير : جرير اغزرنا والفرزدق افخرنا واما انا فواصف للخمر ومادح للملوك.

ومعنى اسم جرير هو حبل يكون في عنق الدابه وقد سمته امه جرير لأنها رأت في منامها وهي حاملة به، انها تلد جريرا فكان يلتوي على عنق رجل فيخنقه، ثم في عنق رجل آخر، حتى كاد يقتل عدداً من الناس، فزعت امه من الرؤيا وقصت ذلك على العراف وقال لها: ان صدقت رؤياك وولدت ولدا يكون بلاء على الناس، فلما ولدته سمته جريرا وكان حقا تأويل رؤياها انه هجا ثمانين شاعرا فغلبهم كلهم الا الأخطل والفرزدق ، ولقب جده (الخطفي) وهو السريع الخطى واسمه حذيفه وكنية جرير أبا حزره والحزره هي خيار المال.

                                                                       


 النقائض.
 العقد الفريد / ج2


منور أحمد الدباس

تعليقات القراء
1 - قصي النسور الاربعاء , 17 آب , 2011 :: 7:08 م
جميل جدا ... جهد مبارك وتشكر عليه
2 - قصي النسور الاربعاء , 17 آب , 2011 :: 7:08 م
جميل جدا ... جهد مبارك وتشكر عليه
3 - عيد النسور الاربعاء , 17 آب , 2011 :: 8:23 م
شكرا استاذ منور على هذه الإطلالة الجميلة مع تقديري واحترامي لثقافتك الراقية دمت اخي منور ومزيدا من هذه الإضاءات الأنيقة المعجب بثقافتك عيدالنسور
4 - عيد النسور الاربعاء , 17 آب , 2011 :: 8:23 م
شكرا استاذ منور على هذه الإطلالة الجميلة مع تقديري واحترامي لثقافتك الراقية دمت اخي منور ومزيدا من هذه الإضاءات الأنيقة المعجب بثقافتك عيدالنسور
5 - قطيشي الجمعة , 19 آب , 2011 :: 10:59 ص
بعيد عن السياسه مقاله مفيده بشكل ملموس احسن من غيرك
6 - ابن الجدعه الاحد , 21 آب , 2011 :: 3:10 ص
أيا جرير أنسنامن ذكرك-----ذكر فما مضا أنقضى واليوم لعمري ما طاولت ابن الجدعة--- في قرضك غزلا كان ام قذعا او فخر لكل زمان لسان ولساني اليوم ---- أغزر بوصف حالي واقعا لا فخر
7 - المتنبي الاثنين , 22 آب , 2011 :: 11:21 ص
ما اجمل ان نخلوا ونقراء مثل هذا الموضوع من الشعر وعن الشعراء بعيدا عن ما يكدر الخاطرويخدش العواطف بعيدا عن ندوات النفاق وتسويق الشخصيات الهزيله المحروقه والأصطياد في المياه العكره ومنابر القدح والذم. وجلسات الغيبه والنميمه..من يعشق الشعر والأدب حري به ان يتجنب الخوض في السياسه احيانا ..الكاتب القوي المفيد في كتاباته هو كالبستان فيه من الأشجار المثمره ما يلبي اذواق القراءالمختلفه ..مااحلى.يااخوتي ان نغرف ونتلذذ باشعار شعراء العرب وننهل من القديم والحديث ..شكرا اتحفتنا في رمضان المبارك..تقبل الله طاعاتكم..
8 - زياد الحديدي الاثنين , 22 آب , 2011 :: 12:25 م
مقالة جميلة اعادتنا الى زمن الشعر العربي الجميل وبالتوفيق للاخ منور والله الموفق
 
أضف تعليقا
 
إسم المرسل  
البريد الإلكتروني  
 
النص    
 
     
إرسال